آخر تحديث : الاربعاء 2018/12/12م (00:58)
لحظات انهيار الاقتصاد العالمي
د . يحيى الدويلة
الساعة 01:11 AM

لقد نفذ صبر الولايات المتحدة الأمريكية ولم يعد لديها الاستعداد أن تقف مكتوفة الأيدي وهي ترى دول إقليمية تقف أمام طموحاتها فلديها مشاريعها العملاقة الكثيرة وعليها أن تدير هذا العالم بمسئولية وهي ترى في نفسها الكفاءة الوحيدة في توزيع ثروات العالم والغاية بالنسبة لها تبرر الوسيلة فلا يهم سقوط ضحايا طالما وأن الأهداف كبيرة والمصالح مشروعة وبذلك فإن أمريكا ترامب أدخلت نفسها في مواجهة مباشرة مع ما تسميهم أعداء أمريكا حتى وإن كان ذلك بسن قوانين لعقوبات اقتصادية تتعارض مع معايير التجارة العالمية واتفاقية الجات الدولية وقواعد تبادل الرسوم الجمركية، ليس هذا فحسب بل أيضا أصبح بإمكانها إسقاط دول وإقامة دول جديدة وإذا ما تفهمنا وسلمنا بكل ذلك؛ أليس من حقنا أن نتساءل هل هناك ما يبرر الفوضى والتي تسميها خلاقة ألا توجد طرق أقل خشونة وعنف مما نراه اليوم.

 

هل هناك ما يستدعي فرض ما يسمى صفقة القرن والتي ترفض مسلمات تم الاتفاق عليها وبقرارات أممية مثل حق العودة والانسحاب حتى حدود 1967م والقدس الشرقية عاصمة لفلسطين، إذا ما رفضها عندها لابد أن يسحق هذا الشعب الفلسطيني ويخضع لعقوبات اقتصادية تهدف إلى تجويعه وتركيعه وكان آخرها قطع المساعدات الأمريكية من منظمة الإغاثة الأنوروا التي تهتم باللاجئين الفلسطينيين والحصار الدائم على قطاع غزة والضفة أيضا وابتزازهم من خلال قطع مرتباتهم والتي يقوم بدفعها الكيان الصهيوني من الضرائب الفلسطينية. كل ذلك يحدث لا لشيء إلا لأن أمريكا ترامب تؤمن أن الشعب الفلسطيني عائق أمام قيام مشاريعها العملاقة الكثيرة من مناطق حرة وجسور ومدن تجارية وممرات مائية وهي مقتنعة أن السيطرة الإدارية والأمنية المطلقة لن تكون إلا للكيان الصهيوني وتتجاهل أصحاب الأرض وكأنهم غير موجودين وليس من حقهم المشاركة والتمتع بموقعهم الإستراتيجي الهام. وهل هناك ما يستدعي إلى إسقاط الدولة الصومالية وتشريد الشعب الصومالي الشقيق وتهجيره كل ذلك من أجل الاستيلاء على حقل أوجادين الواعد بالنفط وتوحيد القرن الأفريقي ومنح رئاسته لإيثيوبيا وتهميش دولة عربية عريقة مثل الصومال والذي لا يعرف إلى متى ستطول هذه المعاناة. وهل هناك ما يستدعي مشروع قطع مياه النيل عن مصر العروبة وتعطيشها وما سيتسبب عن ذلك من انهيار كامل للاقتصاد الزراعي المصري بسبب تشييد سد النهضة في مجرى النيل في إثيوبيا والتي قامت بتمويل بناءه دولة خليجية وطبعا هذه الدولة لا تستطيع فعل ذلك إلا بتوجيهات أمريكية.

 

وهل هناك ما يستدعي إطالة أمد الحرب في اليمن لا لشيء إلا لفرض حل الدولة الفيدرالية ذات الستة أقاليم شاء هذا الشعب أم أبى، حتى وإن كان هذا الحل ليس مقبولا لدى جميع القوى السياسية المسيطرة على الأرض، حيث لم يعد مقبولا الإصرار على عزل المناطق الغنية بالثروة والقليلة السكان (مأرب والجوف) في إقليم واحد واستبعاد المناطق الكثيفة السكان القليلة الموارد الواقعة في الشمال، وكذلك من غير المقبول تقسيم الجنوب إلى إقليم غني بالموارد وقليل السكان (حضرموت وشبوة) لمجرد الحاجة إلى مد خط أنابيب نفط أو غاز يمر إلى بحر العرب وإقليم آخر فقير. لقد تولدت قناعة لدى اليمنيين إن الدولة اليمنية الفيدرالية من إقليمين يتبعه حق تقرير المصير وفك ارتباط سلس هو الحل السياسي الوحيد الذي أصبح مقبولا لكل القوى بما في ذلك الحوثيين باستثناء من يمثلون الرغبة الأمريكية في إطالة أمد الحرب للأسباب التي أوردناها إضافة إلى تجارة السلاح واستنزاف ثروات المنطقة. وعليه تصر أمريكا ترامب على فرض حل الأقاليم الستة ولذلك فرضت حصارا وعقوبات اقتصادية تتمثل في ثلاثة إجراءات ولا علاقة لها بالتحالف أو الشرعية أو حتى الحوثيين، ألا وهي إيقاف تصدير النفط والغاز من ميناء بلحاف وتحويل إيرادات بيع نفط المسيلة إلى بنوك أحد الدول الخليجية وليس البنك المركزي وأخيرا تجميد احتياطي البنك المركزي من العملة الصعبة في البنوك الأمريكية كل هذه الإجراءات كانت كفيلة بإيصال الاقتصادي الوطني إلى حالة انهيار وما انهيار العملة المحلية إلا نتيجة لهذه العقوبات، هذا لا يعني إخلاء المسئولية عن القوى المحلية فالحوثيين قاموا بالاستيلاء والسيطرة على احتياطي البنك المركزي من العملة الصعبة، والشرعية لم تستطع إجبار قوى متنفذة في تسليم إيرادات نفط مأرب وكذا إيرادات الوديعة إلى البنك المركزي أما دول التحالف فلا تريد دفع تكلفة الحرب وتداعياته على الخدمات ومعيشة المواطن حتى في المناطق المحررة، كل ذلك لإحكام الحصار والعقوبات الاقتصادية وذلك حتى يصل الوضع للانهيار التام ما لم يستسلم الشعب اليمني للحل التي تفرضه الإدارة الأمريكية أي الدولة ذات الستة أقاليم والذي يرفضه الشمال قبل الجنوب وسيستمر تجويع وتركيع الشعب اليمني ما لم يخضع لهذا الحل، لذلك على الشرعية إذا كان بيدها القرار القبول بفك الارتباط بين الدولتين ومنح الجنوب استقلاله من خلال إجراء استفتاء تقرير المصير لشعب الجنوب وإذا ما كان هناك إصرار على تقسيم الشمال أو الجنوب فالأمر يعود للشعب اليمني شمالا وجنوبا فيما بعد ولكن دون استخدام القوة والضغط بالعقوبات الاقتصادية لأن هذه المسألة لا أخلاقية وتعرض القيم الغربية للنقد خصوصا بعد أن ظهرت كوارث إنسانية موثقة.

 

كشفت الولايات المتحدة عن مخططات تجري على قدم وساق على إيجاد كردستان الكبرى لأن ذلك في رأيها من شأنه أن يخفف المطامع الإيرانية والتركية والعراقية في ثروات المنطقة ولذلك لابد من استقطاع الثلث من كل دولة من هذه الدول ولذلك لابد من إسقاط هذه الدول؛ وبدأت بإسقاط الدولة العراقية وكان لها ذلك فقد استطاعت قيام الدولة العراقية ذات الثلاثة أقاليم وبات فصل إقليم كردستان العراق أمرا سهلا، وانتقلت إلى إسقاط الدولة السورية ومحاولة تقسيمها بضم شمالها لتركيا وفصل إقليم كردستان سوريا أما جنوبها فسيكون للكيان الصهيوني لتنفيذ حلمها في مد خطوط أنابيب الغاز أو النفط من الشرق الأوسط إلى الكيان الصهيوني فتركيا وبالتالي أوروبا. لكن تجري الرياح فيما لا يشتهي السفن، تدخل روسيا وبمشاركة إيرانية على الخط في الصراع السوري وتعطل كل هذه المخططات، لذلك كان لابد من إيقافها عند حدها.ووضعت الولايات المتحدة الأمريكية قانون أطلقت عليه قانون مكافحة أعداء أمريكا عن طريق العقوبات وكان لابد أن ينهار الاقتصاد الروسي فكان أو إجراء اتخذته أمريكا هو أزمة تهاوي أسعار النفط والعقوبات الغربية على خلفية الوضع في أوكرانيا. وأسفرت هذه الأزمة عن انكماش الاقتصاد الروسي بنسبة 3.7 بالمائة في عام 2015، وانهيار قيمة صرف الروبل وارتفاع معدلات التضخم. ولكن الاقتصاد الروسي أستطاع أن يتكيف للتعايش مع ظروف أسعار النفط، وتلا ذلك قانون أستهدف قطاعات حيوية في روسيا منها السكك الحديدية والسفن والمعادن والمناجم، ويضع القانون قيودا أيضا على شركات البترول العاملة في روسيا. وقد رفضت روسيا مبررات العقوبات الجديدة وأكدوا أن الولايات المتحدة ترتكب خطأ كبيرا بالتفكير في لي ذراع روسيا وتغيير سياساتها. وتتالت العقوبات لكن روسيا تأقلمت على العيش بظروف العقوبات، وتم إنشاء البنية التحتية اللازمة لهذا التكيف.

 

أما بخصوص أيران، فبعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، انسحابه من الاتفاق النووي، الذي تم إبرامه مع طهران في 2015 تم تطبيق الحزمة الأولى من العقوبات الأمريكية على إيران، بهدف تكثيف الضغط عليها، وتستهدف الحزمة الأولى من العقوبات، النظام المصرفي الإيراني، بما في ذلك شراء الحكومة الإيرانية للدولار الأمريكي، وتجارة الذهب، ومبيعات السندات الحكومية. أن العقوبات التي تم فرضها على إيران، هي الأشد قسوة على الإطلاق. أما الحزمة الثانية من العقوبات على طهران والتي ستفرضها واشنطن ، ستستهدف بالأساس قطاع الطاقة. وفي خطوة مفاجأة أيضا اعتمدت الولايات المتحدة قانوناً لفرض عقوبات جديدة ضد كوريا الشمالية، يظهر خوفهم من سلسلة التدابير التي اتخذتها جمهورية كوريا الشمالية، لكن الجديد في الأمر اتهام الولايات المتحدة الصين عندما اكتشفت أن حجم التبادل التجاري بين الصين وكوريا الشمالية وصل إلى ثلاثة أضعاف خلال شهرين مما أشعر الولايات المتحدة أن كوريا الشمالية غير جادة في تدمير الأسلحة النووية بالرغم من تصويت الصين لصالح قرار العقوبات ضد كوريا الشمالية في مجلس الأمن.

 

أمريكا ترامب أدركت أن العقوبات الاقتصادية الأمريكية لن تأتي أكلها ما لم تمنع التدخل الروسي الصيني في إفشال أي عقوبات على الدول الإقليمية؛ إيران، كوريا الشمالية وتركيا لذلك كان لا بد من تشويه السياسة الروسية باتهامها تارة بدعم الإرهاب، والمسئولية عن تحطيم الطائرة الماليزية واستخدام السلاح الكيميائي في الأراضي البريطانية أي محاولة اغتيال العميل الروسي المزدوج سكريبال، وأيضا الاتهام بالتدخل في الانتخابات الأمريكية لكن روسيا ليست دولة صغيرة تعجز عن الدفاع عن نفسها بل أن كل هذه الاتهامات انقلبت على أصحابها خاصة وإنها عجزت عن تقديم أدلة مقنعة. وبالمثل فقد كالت أمريكا ترامب عددا من التهم على الصين تؤكد تورطها في دعم كوريا الشمالية بالإضافة إلى اتهامها سرقة حقوق الملكية لبراءات اختراعات وفرضت عليها رسوم تجارية كبيرة ولكنها مجرد محاولات عبثية ردت عليها الصين بنفس المقدار، وبذلك لم تغير العقوبات الاقتصادية من موقف هذه الدول.

 

على أن العقوبات الاقتصادية ضد روسيا وإيران أيضا كان لها تداعيات على دول أخرى، فقد لحقت العقوبات الأمريكية المفروضة ضد موسكو خسائر فادحة بالشركات الألمانية العاملة في روسيا. أن خسائر الشركات الألمانية وصلت إلى 1.5 مليار يورو. كما أن العقوبات الأمريكية الجديدة ضد روسيا ستضر بمصالح أوكرانيا والاتحاد الأوروبي. أن الاقتصاد الأوروبي، سيتكبد خسائر كبيرة جراء تطبيق قوانين العقوبات الاقتصادية، لكن المهم في الأمر أن دول الاتحاد الأوروبي تختلف في سياستها الخارجية.  فمثلا فرنسا، التي تستورد معظم النفط والغاز من أفريقيا والشرق الأوسط، يمكن أن تتحمل نهجا أكثر عدوانية تجاه موسكو. بينما ألمانيا ودول أوروبية أخرى فهي تعتمد اعتمادا كبيرا على الغاز والنفط الروسي لذلك فهي تتبع نهجا أقل عدوانية ضد روسيا. وعلى ما يبدو فإن الصراع العالمي على صعيد الطاقة في طريقه إلى الاحتدام، وأن الولايات المتحدة تسعى إلى عرقلة التعاون بين روسيا والاتحاد الأوروبي في مجال الطاقة.

 

يبقى تحليل الموقف التركي من العقوبات الاقتصادية فقد أعلنت تركيا أنها لا توافق على فرض الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية عقوبات ضد روسيا، مشيرا إلى أن هذا الأمر يضر بالاقتصاد التركي. كما أعلنت الصين والهند وتركيا صراحة عدم الالتزام بالعقوبات الأمريكية الخاصة بمنع تصدير النفط الإيراني، لكن الموقف المتقلب لتركيا من الصعب تفسيره فهي مرة مع الجانب الأمريكي ومرة مع الجانب الروسي، لكن يبدو أنها حسمت أمرها إلى جانب المحور الروسي الإيراني بعد أن شعرت بخطورة السلوك الأمريكي على وحدة تركيا ودعمها للانفصاليين الأكراد وربما تورطها في الانقلاب على أردوغان بعد أن شعرت بأنه أصبح عقبة أمام مشروعها الكبير. فبدأت تشن عليها حربا تجارية وعقوبات اقتصادية كادت أن تعصف باقتصاد تركيا وتهدد بقاء أردغان نفسه. لكن دخول قطر على الخط وتعهدها برفد البنك المركزي التركي بخمسة عشر مليار للاستثمار في تركيا لا نتصور أن يتم دون موافقة وتوجيه أمريكي، مما يثير الشك والريبة في استمرار مواقف تركيا مع المحور الروسي الإيراني. أما الموقف الأوروبي ففيه أيضا شيء من الارتياب فبالرغم من حرصها على تنفيذ الاتفاق النووي لكنها على الصعيد العملي لم تقدم ما يطمأن إيران برفع العقوبات عليها فالأوروبيون أكتفوا  فقط بالبيانات ولم يقدموا  حلولا عملية حول الشؤون البنكية والشحن والنقل والاستثمار والطاقة والمؤسسات الصغيرة والكبيرة، بل أن بعض الشركات الكبيرة انسحبت، والغريب أنها أظهرت انزعاجها من إحلال شركات صينية بدلا عنها.

 

وهنا يبرز سؤالا مهما جدا وهو ما هي الطرق المثلى لمواجهة العقوبات الأمريكية وهنا نورد عدد من التدابير الممكنة والتي يمكن أن تفوت الفرصة أمام العنجهية الأمريكية في التعامل الدولي. ولعل أول هذه التدابير مواصلة إمدادات الطاقة وهذا ما تحرص عليه روسيا وإيران. فبعض البلدان الأوروبية تعتمد على إمدادات الطاقة أكثر من غيرها يصل إلى أكثر من 50% على روسيا، والصين والهند وتركيا تعتمد على النفط والغاز الإيراني. ويمكن لروسيا أن تستخدم هذا الاعتماد للضغط الاقتصادي على البلدان التي يمكن أن تشكل تهديدا لها. على أن المحك في مواجهة العقوبات الاقتصادية يتعلق بدور المصرف المركزي لضمان الاستقرار وتوفير العملة الصعبة واستقرار الأسعار والاستقرار المالي، وهذا يتطلب فك الارتباط في التعامل مع الدولار كعملة عالمية وحصرية للنظام المالي الأمريكي والحد من التضخم، وهذا ما يحتم على الدول المتضررة البحث في بديل للتبادل التجاري وقد بدأت هذه الدول بوضع إجراءات سريعة لمواجهة هذه المشكلة فقد اعتمدت إيران وروسيا وتركيا والصين عملاتها في عمليات التبادل التجاري فيما بينها من أجل أن يقوم القطاع المالي بتمويل الاقتصاد. لكن كل هذا يعتبر إجراء مؤقت وغير جذري، ويحتاج الأمر الاتفاق على عملة دولية تبادلية وإرساء نظام مقايضة بديل وهذا ما تبحث عنه وتتدارسه دول البريكس أو  مجموعة شنجهاي.

 

مما سبق يتضح نوعين من السياسات، سياسة الحوافز والترغيب وهي ما تتبعها دول مثل روسيا والصين حيث تقيم مشاريعها العملاقة بعيدا عن سحق الشعوب وإسقاط الدول فهذه روسيا لديها مشروعا عملاقا في مد أنابيب النفط والغاز إلى الصين لكنها لا تعمل على إسقاط الدول الذي يمر فيها أنابيب النفط، كما إن للصين مشروعها العملاق طريق الحرير والذي سيمر على 65 دولة ولكنها لا تشترط إسقاط هذه الدول لإنجاح مشروعها العملاق بل إنها تقدم لها الحوافز والمساعدات لتحسين البنية التحتية لهذه الدول حتى أنها قدمت 60 مليار دولار للدول الإفريقية لهذا الغرض. وسياسة الحصار والعقوبات الاقتصادية لأمريكا وتتضمن إسقاط دول وإقامة دول أو تقسيمها وهي قد تكون منهجا ناجعة مع بعض دول العالم الثالث والفقيرة للضغط على شعوب هذه المنطقة والتسليم والاستسلام للإرادة الأمريكية لكنها غير مجدية مع دول إقليمية وكبيرة. ولتنفيذ هذه الإجراءات العقابية تضطر أمريكا لافتعال الذرائع والأكاذيب كما حدث في إسقاط الدولة العراقية وقتل أكثر من مليون شهيد وبكل بساطة ينبري مسئولا كبيرا في الإدارة الأمريكية ليقول كنا نكذب أي أن العراق لم يكن يمتلك أسلحة دمار شامل كما أدعت واتضح في الأخير أن الهدف الحقيقي هو تقسيم العراق وفصل إقليم كردستان منه. وبالنتيجة يكون لهذا السلوك الأمريكي تداعيات خطيرة تهدد السلم العالمي بسبب نشر الفوضى والعنف وصراعات غير ضرورية تدخل العالم في دوامة من الأزمات الاقتصادية هي في غنى عنها ولا تليق بدولة عظمى، بل أن هذا السلوك يتيح للدول المناوئة لها أن تظهر بمظهر المنقد والحريص على الاستقرار. على أن الأهم إن هذا السلوك الأمريكي جعل العرب يستشعرون بالخطر عندما تخلت أمريكا ترامب عن القيام بالدور الوسيط والراعي لعملية السلام وإصرارها على صفقة القرن وإذلال الشعب الفلسطيني الحر والذي من حقه إقامة دولته. ومن حق شعب الجنوب تقرير مصيره ونيل استقلاله وحريته دون وصاية أو استغلال حاجته والمساومة في حقوقه والضغط عليه اقتصاديا بفرض حلول غير قابلة للتطبيق. كما اتضحت النوايا الأمريكية بتسليم أمن البحر الأحمر لقوى غير عربية الكيان الصهيوني وإثيوبيا وعزل المناطق قليلة السكان ذات الثروات والموارد الطبيعية عن المناطق الكثيفة السكان وعمل تغيير ديموجرافي يتم من خلاله تعبئة المناطق الخالية من السكان بالعمالة الأجنبية تديرها كفاءات غربية كما يحدث في دول الخليج العربي. إن تجاهل الشعوب العربية صاحبة الأرض في الإدارة الأمنية والاقتصادية لأراضيها لن يكون سهلا وميسرا وسيكشف وجها عدائيا وقبيحا لها في عيون العرب الذين تمثل أمريكا بالنسبة لهم نموذجا للحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتي أصبحت مجرد كذبة. إننا أمام لحظات تاريخية سيشهدها العالم وهي إما انهيار النظام الاقتصادي العالمي الحالي وميلاد نظام عالمي متعدد الأقطاب أو استمرار نظام القطب الواحد وهذا مستحيل.

شارك برأيك
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
صحيفة الأمناء PDF
793
عدد (793) - 14 نوفمبر 2017
تطبيقنا على الموبايل